العيني
176
عمدة القاري
المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم . وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل ، عليهما السلام ، وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ، ولكن هذا في حق من يصح الميل منه والانتفاع بالوفق وهي درجة المخلوق ، وأما الخالق عز وجل فمنزه عن الأعراض فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه ، وقصواها كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته ، فيكون كما قال في الحديث : ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ) ، ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله تعالى والانقطاع إليه والإعراض عن غيره ، وصفاء القلب وإخلاص الحركات له . ونقل ابن فورك عن بعض المتكلمين كلاماً في الفرق بين المحبة والخلة بكلام طويل ملخصه : الخليل يصل بالواسطة من قوله : * ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 57 ) . والحبيب يصل لحبيبه به من قوله : * ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) * ( النجم : 9 ) . والخليل الذي تكون مغفرته في حد الطمع من قوله : * ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) * ( الشعراء : 28 ) . والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين من قوله عز وجل : * ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) * ( الفتح : 2 ) . والخليل ، قال : * ( ولا تخزني يوم يبعثون ) * ( الشعراء : 78 ) . والحبيب قيل له : يوم لا يخزي الله النبي ، فابتدأ بالبشارة قبل السؤال ، والخليل قال في المحبة : حسبي الله ، والحبيب قيل له : * ( يا أيها النبي حسبك الله ) * ( الأنفال : 46 ) . والخليل قال : * ( واجعل لي لسان صدق ) * ( الشعراء : 78 ) . والحبيب قيل له : * ( ورفعنا لك ذكرك ) * ( الشرح : 4 ) . أعطي بلا سؤال . والخليل قال : * ( واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام ) * ( إبراهيم : 53 ) . والحبيب قيل له : * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) * ( الأحزاب : 33 ) قوله : ( ولكن أخوة الإسلام ) أخوة الإسلام مبتدأ وخبره محذوف ، نحو : أفضل من كل أخوة ، ومودة لغير الإسلام . وقيل : وقع في بعض الروايات : ولكن خوة الإسلام ، بغير الألف ، فقال ابن بطال : لا أعرف معنى هذه الكلمة ولم أجد خوة بمعنى خلة في كلام العرب ، ولكن وجدت في بعض الروايات : ولكن خلة الإسلام ، وهو الصواب . وقال ابن التين : لعل الألف سقطت من الكاتب فإن الألف ثابتة في سائر الروايات ، وقال ابن مالك في توجيهه : نقلت حركة الهمزة إلى النون فحذفت الألف ، وجوز مع حذفها ضم نون : لكن ، وسكونها ، ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلاَّ سكون النون فقط . انتهى . قلت : هذا توجيه بعيد لا يوافق الأصول . قوله : ( لا يبقين ) ، بفتح أوله وبنون التأكيد ، وروي بالضم وإضافة النهي إلى الباب : تجوز لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه ، فكان المعنى : لا تبقوه حتى لا تبقى . قوله : ( إلاَّ سُدَّ ) ، على صيغة المجهول . قوله : ( إلاَّ باب أبي بكر ) ، استثناء مفرغ ، ومعناه : لا تبقوا باباً غير مسدود إلاَّ باب أبي بكر فاتركوه بغير سد . وفي رواية الطبراني من حديث معاوية في آخر هذا الحديث : فإني رأيت عليه نوراً . فإن قلت : روى النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص قال : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ، رضي الله تعالى عنه ) . وإسناده قوي ، وفي رواية الطبراني في ( الأوسط ) زيادة وهي : فقالوا يا رسول الله ! . سدت أبوابنا ؟ فقال : ما أنا سددتها ولكن الله سدها . ونحوه عن زيد بن أرقم أخرجه أحمد عن ابن عباس ، فهذا يخالف حديث الباب . قلت : جمع بينهما بأن المراد بالباب في حديث علي الباب الحقيقي . والذي في حديث أبي بكر يراد به الخوخة ، كما صرح به في بعض طرقه . وقال الطحاوي في ( مشكل الآثار ) : بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخله ، وبيت علي لم يكن له باب إلاَّ من داخل المسجد . قلت : فلذلك لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأحد أن يمر من المسجد ، وهو جنب إلاَّ لعلي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، لأن بيته كان في المسجد ، رواه إسماعيل القاضي في ( أحكام القرآن ) وقال الخطابي وابن بطال وغيرهما : في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر ، رضي الله تعالى عنه . وفيه : إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلاَّ أبو بكر ، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة ، والأمر بالسد كناية عن طلبها ، كأنه قال : لا يطلبن أحد الخلافة إلاَّ أبا بكر ، فإنه لا حرج عليه في طلبها ، وإلى هذا مال ابن حبان ، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث . وفيه : دليل على أن الخلافة له بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه حسم بقوله : سدوا عني كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده ، وعن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بستاناً وجاء آت فدق الباب ، فقال : يا أنس ! إفتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة بعدي ، قال